ابن رشد
55
تهافت التهافت
تزيدا لا نهاية له ، لكان مستحيلا ، لأنه كان يمكن أن توجد مادة لا نهاية لها . فكان يمكن أن يوجد كل غير متناه ، لأنه إن وجد كل متناه يتزيد تزيدا لا نهاية له من غير أن يفسد شيء منه ، أمكن أن يوجد كل غير متناه . وهذا شيء قد بينه الحكيم ، في السماع . فإذن الجهة التي منها أدخل القدماء ، موجودا قديما ليس بمتغير أصلا ليست هي من جهة وجود الحادثات عنه بما هي حادثة ، بل بما هي قديمة بالجنس . والأحق عندهم أن يكون هذا المرور إلى غير نهاية لازما عن وجود فاعل قديم ، لأن الحادث إنما يلزم أن يكون بالذات عن سبب حادث . وأما الجهة التي من قبلها أدخل القدماء في الوجود موجودا أزليا واحدا بالعدد من غير أن يقبل ضربا من ضروب التغير بجهتان : إحداهما : أنهم ألفوا هذا الوجود الدوري قديما . وذلك أنهم ألفوا كون الواحد الحاضر فسادا لما قبله ، وكذلك فساد الفاسد منهما ألقوه كونا لما بعده . فوجب أن يكون هذا التغير القديم عن محرك قديم . ومتحرك قديم غير متغير في جوهره . وإنما هو متغير في المكان بأجزائه . أي يقرب من بعض الكائنات ويبعد ، فيكون ذلك سببا لفساد الفاسد منهما ، وكون الكائن . وهذا الجرم السماوي هو الموجود الغير متغير إلا في الأين لا في غير ذلك من ضروب التغير . فهو سبب للحوادث من جهة أفعاله الحادثة . وهو من جهة اتصال هذه الأفعال له ، أعني أنه لا أول لها ولا آخر ، عن سبب لا أول له ولا آخر . والوجه الثاني : الذي من قبله أدخلوا موجودا قديما ، ليس بجسم أصلا ، ولا ذي هيولى ، هو أنهم وجدوا جميع أجناس الحركات ترتقي إلى الحركة في المكان . ووجدوا الحركة في المكان ترتقي إلى متحرك من ذاته ، عن محرك أول ، غير متحرك أصلا ، لا بالذات ولا بالعرض . وإلا وجدت محركات متحركات معا غير متناهية وذلك مستحيل . فيلزم أن يكون هذا المحرك الأول أزليا ، وإلا لم يكن أولا . وإذا ذلك كذلك ، فكل حركة في الوجود ، فهي ترتقي إلى هذا المحرك بالذات ، لا بالعرض . وهو الذي يوجد مع كل متحرك في حين ما يتحرك . وأما كون محرك قبل محرك ، مثل إنسان يولد إنسانا ، فذلك بالعرض لا بالذات . وأما المحرك الذي هو شرط في وجود الإنسان من أول تكوينه إلى آخره ، بل من أول وجوده إلى انقضاء وجوده ، فهو هذا المحرك . وكذلك وجوده